الغزالي

124

التبر المسبوك في نصيحة الملوك

وكذلك ينبغي أن تكون المرأة مع زوجها ، ظاهرها وباطنها واحد ، وتقنع معه بالقليل إن لم يقدر على الكثير ، وتقتدي بعائشة وفاطمة رضي اللّه عنهما لتكون من أهل الجنّة كما جاء في الحكاية : حكاية : كانت فاطمة رضي اللّه عنها تطحن بالجاروشة إلى أن أدمت أناملها ، فشكت ذلك في بعض الأيام إلى بعلها علي بن أبي طالب كرّم اللّه وجهه فقال : قولي لأبيك يبتع لك خادمة ! فأتت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقالت : يا رسول اللّه إني مفتقرة إلى خادمة تعينني على أشغالي وتحمل عني بعض أثقالي ؛ فقال عليه الصلاة والسلام : « ألا أعلمك ما هو خير لك من خادم وأعزّ من سبع سماوات وسبع أرضين » ؟ فقالت : يا رسول اللّه علمني ! فقال صلى اللّه عليه وسلم : « إذا أردت النوم فقولي قبل منامك ثلاث مرّات : سبحان اللّه والحمد للّه ولا إله إلّا اللّه واللّه أكبر » « 1 » . وفي الأخبار أنهم لم يكن لهم في البيت إلّا كساء كانوا إذا غطّوا به رؤوسهم انكشفت أرجلهم ؛ وفي الليلة التي كانت فاطمة عروسا وزفّت إلى علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه كان تحتهما جلد شاة ، وكانا ينامان عليه ، وما كان لفاطمة من متاع البيت سوى كساء ومخدة من أدم وحشوها ليف ؛ لا جرم ينادى لها يوم القيامة : يا أهل الموقف غضّوا أبصاركم حتى تعبر سيدة النساء فاطمة الزهراء . والمرأة تعزّ عند زوجها وتنمو محبتها في قلبه بإكرامها له ، وطاعتها لأمره وقت خلوته ، ومجامعته لها ، وبحفظها منافعه ، واجتنابها مضاره ، وتربيتها ولده ، واكتنانها في بيته ، وقلّة خروجها من خدرها ، وأن تكون عنده عفيفة ، كاتمة للسرّ ، محتملة للأمر ، وأن تحفظ وقت طعامه ، ومهما علمت أن يشتهيه اصطنعته بطلاقة وجه وبشر ؛ وأن لا تكلّفه حاجة ثقيلة ؛ وأن لا تكون لجوجة ؛ وأن تستر نفسها عند منامها ؛ وأن تحفظ سرّ زوجها في غيبته وحضوره . قال صاحب الكتاب : وواجب على الرجال أن يؤدوا حق النساء العورات ، وأن يتحفّظوا بهنّ من وجه الرحم والإحسان والمداراة . ومن أحب أن يكون مشفقا على زوجته رحيما لها فليذكر عشرة أشياء من أحوالها لينصفها بها : أوّلها أن المرأة لا

--> ( 1 ) في مجمع الزوائد [ جزء 10 - صفحة 122 ] باب ما يقول إذا آوى إلى فراشه وإذا انتبه ، ونصه : أم سلمة حدثت أن فاطمة جاءت إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تشتكي الخدمة قالت : يا رسول اللّه واللّه لقد مجلت يداي من الرحى أطحن مرة وأعجن مرة . فقال لها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن يرزقك اللّه شيئا يأتك وسأدلك على خير من ذلك ؛ إذا لزمت مضجعك فسبحي اللّه ثلاثا وثلاثين وكبري ثلاثا وثلاثين واحمدي أربعا وثلاثين ، فذلك مائة خير لك من الخادم » .